الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
301
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لوصف اليوم بعصيب . وأراد : أنه سيكون عصيبا لما يعلم من عادة قومه السيئة وهو مقتض أنهم جاءوه نهارا . ومن بديع ترتيب هذه الجمل أنها جاءت على ترتيب حصولها في الوجود ، فإن أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن يساء به ويتطلب المخلص منه ، فإذا علم أنه لا مخلص منه ضاق به ذرعا ، ثم يصدر تعبيرا عن المعاني وترتيبا عنه كلاما يريح به نفسه . وتصلح هذه الآية لأن تكون مثالا لإنشاء المنشئ إنشاءه على حسب ترتيب الحصول في نفس الأمر ، هذا أصل الإنشاء ما لم تكن في الكلام دواعي التقديم والتأخير ودواعي الحذف والزيادة . [ 78 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 78 ] وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ( 78 ) أي جاءه بعض قومه . وإنما أسند المجيء إلى القوم لأن مثل ذلك المجيء دأبهم وقد تمالئوا على مثله ، فإذا جاء بعضهم فسيعقبه مجيء بعض آخر في وقت آخر . وهذا من إسناد الفعل إلى القبيلة إذا فعله بعضها ، كقول الحارث بن وعلة الجرمي : قومي هم قتلوا أميمة أخي * فإذا رميت يصيبني سهمي و يُهْرَعُونَ - بضم الياء وفتح الراء على صيغة المبني للمفعول - فسّروه بالمشي الشبيه بمشي المدفوع ، وهو بين الخبب والجمز ، فهو لا يكون إلا مبنيّا للمفعول لأن أصله مشي الأسير الذي يسرع به . وهذا البناء يقتضي أن الهرع هو دفع الماشي حين مشيه ؛ إلّا أن ذلك تنوسي ، وبقي أهرع بمعنى سار سيرا كسير المدفوع ، ولذلك قال جمع من أهل اللغة : إنّه من الأفعال التي التزموا فيها صيغة المفعول لأنها في الأصل مسندة إلى فاعل غير معلوم . وفسّره في « الصحاح » و « القاموس » بأنه الارتعاد من غضب أو خوف ، وعلى الوجهين فجملة يُهْرَعُونَ حال . وقد طوى القرآن ذكر الغرض الذي جاءوا لأجله مع الإشارة إليه بقوله : وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ فقد صارت لهم دأبا لا يسعون إلّا لأجله . وجملة قالَ يا قَوْمِ إلخ مستأنفة بيانيا ناشئا عن جملة وَجاءَهُ قَوْمُهُ ، إذ قد علم السامع غرضهم من مجيئهم ، فهو بحيث يسأل عمّا تلقّاهم به .